المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما وجه اجتهاد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في مسألة زكاة الفطر؟ يجيبك الشيخ أسامة العتيبي


أكرم بن نجيب التونسي
09-09-2009, 12:42 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

هذا سؤال وجه إلى الشيخ أسامة العتيبي حفظه الله في شهر رمضان الماضي و إليكم تفريغ السؤال مع جوابه:


ما وجه اجتهاد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في مسألة زكاة الفطر؟ و ما هي المصادر التي يرجع إليها في هذه المسألة؟

الجواب:

مسألة زكاة الفطر و كونها تخرج مالا أو لا تخرج؟ هذه مبسوطة في كتب الفقه عامة التي تذكر الخلاف؛ مثل: كتاب المغني، وكتاب (الروضة الندية شرح ) الدرر البهية، ونيل الأوطار، والمجموع للنووي، لا يكاد يخلو كتاب الفقه من الكتب المتوسعة إلا و تذكر الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة.

أما ما هو السبب؟ ما هو سبب الخلاف؟

فالسبب يعود لأمرين:

الأمر الأول نصي و الثاني عقلي.

النصي الذي اعتمدوا عليه أن النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث فرض زكاة الفطر على كل عبد أو حر أو ذكر أو أنثى من المسلمين صاعا من طعام، صاعا من قمح، صاعا من شعير، صاعا من تمر.

هذا النص طبقه معاوية رضي الله عنه بأن أخرج نصف صاع من الحنطة السمراء البر فقال: هذا يساوي -يعني: في القيمة المالية- إخراج صاع.

لكن لما أخرج معاوية رضي الله عنه نصف صاع من الحنطة استدل الأحناف و غيرهم ممن يجيز دفع القيمة بفعله رضي الله عنه قالوا: إنما معاوية رضي الله عنه هنا أخذ بالقيمة، و إن كان أخرج بُرًّا، لكنه لم يخرج ما فرضه الله من الصاع، لأنه لم ينظر إلى كونه طعاماً أو غير طعام، إنما لكونه أصلح للفقراء و أفضل، و أخرج نصف صاع، مع أن الفرض صاع، فكونه أخرج نصف صاع إنما بسبب القيمة.

روى البخاري ومسلم عن نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ -يعني ابن عمر- قال: أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ قال عبد اللَّهِ رضي الله عنه: فَجَعَلَ الناس عِدْلَهُ مُدَّيْنِ من حِنْطَةٍ .

وروى الشيخان عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: كنا نُعْطِيهَا في زَمَانِ النبي صلى الله عليه وسلم صَاعًا من طَعَامٍ أو صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ أو صَاعًا من زَبِيبٍ، فلما جاء مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قال: أُرَى مُدًّا من هذا يَعْدِلُ مُدَّيْن.

وفي رواية عند الإمام مسلم: عن عِيَاضِ بن عبد اللَّهِ بن أبي سَرْحٍ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: ( أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ من الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ من تَمْرأَنْكَرَ ذلك أبو سَعِيد وقال: لَا أُخْرِجُ فيها إلا الذي كنت أُخْرِجُ في عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من زَبِيبٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ أو صَاعًا من أَقِطٍ)

هذا مما استدلوا به على القيمة، و عارضهم آخرون و قالوا: إن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره من الصحابة قد أنكروا على معاوية هذا الفعل.

و قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالفه غيره و يبقى النص الذي نص عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم.

السبب الثاني العقلي الذي بسببه قال من قال بجواز إخراج القيمة أنهم قالوا: إن المقصود من زكاة الفطر كف الفقير عن السؤال، و إغناء الفقير ذلك اليوم عن السؤال، و هي عامة في أنها طهرة للصائم و مواساة للفقراء فقالوا: إن الدراهم إذا أعطيت للفقير استطاع أن يشتري ما يحبه من الطعام لأن إعطاء الفقير صاعاً من تمر قد لا يكون محتاجا إلى التمر بل يحتاج مثلا إلى القمح فيحصل بذلك التأذي للفقير أو عدم وجود ما يناسبه فبهذا السبب العقلي قالوا: إن المقصود الشرعي من الزكاة ما سبق، لذلك نحن نعطيهم المال، فهم يشترون به ما يشاؤون من الطعام أو إذا أرادوا الملابس و نحو ذلك هذا اجتهادهم.

لكن الإمام مالكاً والإمام الشافعي و الإمام أحمد، أكثر علماء الملة على أن الواجب في زكاة الفطر الطعام، و سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم نص على هذه العلة و قال (زَكَاةَ الْفِطْرِ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ من اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ).

فالمال لا يطعم، بل ربما اشتروا بهذا المال ما ليس بطعام، لا سيما و أن زكاة الفطر المقصود منها الطعام، و قد كانت الدراهم موجودة في زمن الرسول عليه الصلاة و السلام و مع ذلك لم يشرعها ولم يحث الناس عليها، فلو كانت أنفع كما يزعم أولئك لما غفل عن هذا الشرع.

معروف أن الذي تعطيه الدراهم قد يشتري بها طعاماً و غير طعام لو كانت هذه العلة العقلية موجودة في الشرع لفعلها الرسول صلى الله عليه و سلم أو لأشار إليها أو لحث عليها مما يبين و يؤكد أن إخراج زكاة الفطر من الطعام هو الأنفع للفقراء، والأدفع لسؤالهم ذلك اليوم الطعام حتى يكونوا شبعى ليسوا جوعى كحالهم قبل يوم العيد.

و من أراد أن يتصدق على الفقراء بالدراهم مما يزيد عن زكاة الفطر لا بأس، لو أخرج زكاة الفطر طعاما ثم أراد أن يتصدق بمثلها مالا لهم هذا أمر حسن و مرغب فيه شرعاً و الله تعالى أعلم.

اهـ كلام الشيخ حفظه الله و غفر له